محمد حسين الذهبي
462
التفسير والمفسرون
نجد الزمخشري يستشعر من هذه الآية أن قلوب العباد بيد اللّه يقلبها كيف يشاء ، فمن أراد اللّه هدايته هداة ، ومن أراد ضلاله أضله ، ولكنه يفر من هذا الظاهر فيقول : « لا تُزِغْ قُلُوبَنا » لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا « بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا » وأرشدتنا لدينك . أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا ) « 1 » . وفي سورة المائدة عند قوله تعالى في الآية ( 41 ) ( وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) نجد الزمخشري لا يجزع من هذا الظاهر الذي يتشبث به أهل السنة ويتيهون به على خصومهم ، بل نراه يفسرها حسب هواه ووفق مبدئه فيقول : « ومن يرد اللّه فتنته » تركه مفتونا وخذلانه « فلن تملك له من اللّه شيئا » فلن تستطيع له من لطف اللّه وتوفيقه شيئا ، أولئك الذين لم يرد اللّه أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم ، لأنهم ليسوا من أهلها ، لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع « إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ » « 2 » ، « كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ » « 3 » اه « 4 » . وهكذا نجد الزمخشري بواسطة هذه التأويلات يخضع لمبدئه الاعتزالى في الجبر والاختيار مثل هذه المواضع القرآنية التي لم تكن طيعة له . ولكن ابن المنير السكندرى لم ترقه هذه التأويلات ، ولم يسلم بها لخصمه ، فأخذ يناقشه في معنى اللطف مناقشة حادة ساخرة ، فعند ما تكلم الزمخشري عن قوله تعالى في الآية ( 272 ) من سورة البقرة « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » وتذرع بلفظ ( اللطف ) تعقبه ابن المنير فقال : « المعتقد الصحيح ، أن اللّه هو الذي يخلق الهدى لمن يشاء هداه ، وذلك هو اللطف ، لا كما يزعم
--> ( 1 ) الكشاف ح 1 ص 195 ( 2 ) في الآية « 104 » من سورة النحل . ( 3 ) في الآية « 86 » من سورة آل عمران . ( 4 ) الكشاف ح 1 ص 416 .